10 - 01 - 2026

صباحيات | مراد وهبة.. استعادة ابن رشد ومشروع تأسيس العَلمَانية في مصر

صباحيات | مراد وهبة.. استعادة ابن رشد ومشروع تأسيس العَلمَانية في مصر

رحل عن العالم، جسداً، الدكتور مراد وهبة، أستاذ الفلسفة بجامعة عين شمس، عن عمر لا تفصله عن المئوية سوى شهور قليلة، ونظمت مكتبة الإسكندرية في نهاية العام المنصرم احتفالية بمئوية الفيلسوف الكبير المولود في 13 أكتوبر عام 1926، في مدينة أسيوط بصعيد مصر. ومراد وهبة فيلسوف مرموق في مصر وخارجها ورأس "الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير" وعاش حياة حافلة جمع خلالها بين العمل الأكاديمي والتأليف والنشاط، فقد كان واحد من رواد التنوير وارتبط اسمه بالدفاع عن العلمانية ومحاربة الأصولية والتطرف، ونظم العديد من المؤتمرات العامة والأكاديمية لهذا الغرض. 

يُعد مراد وهبة واحداً من كبار المدافعين عن فكرة العَلمَانية (بفتح العين)، والتعريف الفلسفي الذي وضعه لهذا المفهوم يُعد من أدق التعريفات وأوضحها وأشملها، ويُعرف العَلمانية بأنها "التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق"، وهو تعريف أقره "المؤتمر الأول لتأسيس العلمانية في مصر"، الذي انعقد في القاهرة في أول مارس 2006، بمشاركة بين "منتدى ابن رشد"، المتفرع عن "الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير"، و"الجمعية المصرية للتنوير"، التي أسسها المفكر المصري الذي اغتالته يد الغدر، فرج فودة، و"حزب مصر الأم"، وهو مشروع حزب سياسي يتمحور حول الهوية المصرية، رفضت لجنة شؤون الأحزاب منحه ترخيصا في عام 2006. وفكرة العلمانية وضرورتها للديمقراطية قاسم مشترك بين الكيانات الثلاثة وأعقب هذا المؤتمر مؤتمران آخران في عامي 2007 و2008. وكانت الدعوة للمؤتمر من أجل "التأسيس"، وتجميع الجهود المبعثرة للعلمانيين بما يعني تحول العَلمانية إلى تيار معرفي، أي تيار فكري"، كما جاء في مقدمة الكتاب الذي حرره الدكتور مراد وهبة والدكتورة منى أبو سنة.

التعريف الذي وضعه الدكتور مراد وهبة مساهمة لها قيمتها المعرفية في تخليص مفهوم العلمانية، من الخلط والتشوش الذي صاحبه في الفكر العربي، بسبب مفكرين سعوا إلى التوفيق بين أمور لا يمكن أن تتوافق، فزادوا المفهوم تشويها على ما أصابه من تشويه مُتعمد من خصوم العلمانية وفي مقدمتهم "التيارات الأصولية" و"الاستبداد" الذي يجسده "مُلَّاك الحقيقة المطلقة". ويقوم التأسيس الفلسفي للمفهوم على التمييز بين مرادفين لكلمة العالم في اللغة اللاتينية، هما "العالم الساكن" (Mundus) والعالم المتغير (Saeculum) الذي اشتقت منه كلمة علمانية في اللغة الإنجليزية. فالعلمانية لا تنظر إلى العالم في ثباته وجموده، وإنما في تغيره وحركته المستمرة.  

استنفر هذا التعريف وهذا المؤتمر، كما استنفر مشروع تأسيس العلمانية، كوادر جماعة الإخوان المسلمين التي كانت نشطة في ذلك الوقت رغم أنها كانت محظورة رسميًا، وهذا أمر مفهوم في ضوء ما لاحظة الدكتور مراد وهبة بخصوص العلمانية كسلاح قوي في مواجهة الأصوليات الدينية، إسلامية كانت أم غير إسلامية. العلمانية فكرة تأسيسية عند الدكتور مراد وهبة لأي مشروع للانتقال الديمقراطي وللسلام في الشرق الأوسط. وأشار في كتابه "رباعية الديمقراطية"، إلى أن العلمانية ركيزة ضمن ركائز أربعة أخرى تتأسس عليها الديمقراطية، ويراها أهم ركيزة فبدونها لا يمكن الحديث عن الديمقراطية التي تعني الانتقال من مبدأ الأحادية المطلق، إلى مبدأ التعددية النسبي بالضرورة. ويرى أن الأصوليات هي مصدر لاستمرار الصراع في منطقننا وفي العالم.   

أسعدني الحظ بالتعرف على الدكتور مراد وهبة عن قرب في مطلع الألفية الثانية، من خلال "منتدى ابن رشد"، الذي كان ينعقد يوم السبت الأول من كل شهر، في مكتبة مكتب الدكتور علي الشلقاني، المحامي الدولي القدير والمثقف المصري الكبير في الزمالك. هذا المنتدى كان بالنسبة لي منشطًا للعقل ومحفزًا على التفكير الحر والمبدع من خلال الأطروحات والقضايا التي كان يطرحها الدكتور مراد وهبة للنقاش على كوكبة من كبار المثقفين والأكاديميين من رواد المنتدى. ويعود الفضل للدكتور مراد وهبة في أن فكرة العلمانية ظلت مطروحة في النقاش العام، بعد أن كانت آمال التيار الأصولي معقودة على أن مقتل الدكتور فرج فودة سيردع الآخرين عن الدعوة إلى العلمانية. غير أن الإسهام الأهم للدكتور مراد وهبة يتمثل في استحضار الفيلسوف ابن رشد ليكون ركيزة لمشروع تأسيس العلمانية في مصر والعالم العربي، واهتمامه بأن يكون التفكير الفلسفي سمة عامة يشارك فيها رجل الشارع النخبة المثقفة والمتعلمة.

رحل مراد وهبة عن عالمنا جسدًا لكنه سيبقى فكرة ومشروعا لأجيال ستكمل مسيرة العقل والتنوير والحرية.

***
هامش

من المؤسف حقا أن الخصومة الشخصية التي لا يمكن لأي إدعاء بالخصومة الفكرية أن يخفيه، سمة للعقائديين المنغلقين فكريًا. وغالبًا ما تصل هذه الخصومة إلى حد توجيه اتهامات للمخالفين على غير أساس سوى أنهم لا يتبنون المواقف والآراء التي تروق لهم.. 

شعرت بصدمة كبيرة وأنا أقرأ الكلمات التي كتبتها الدكتورة يمنى طريف الخولي، وهي أستاذ للفلسفة لها تأثير كبير على طلابها ولها أيضا إنتاجها البحثي المُمَيزّ. ولا أعرف كيف لشخص بوزنها أن يسقط هذه السقطة ويوجه اتهامات لشخص رحل عن العالم ولا يستطيع الرد وتوضيح موقفه.. الدكتورة يمنى الخولي، التي تُعد واحدة من شُرَّاح فيلسوف العلم كارل بوبر وكتبت عنه وعن فلسفته ومنطقه العديد من الدراسات والكتب، لم تكن وفية بالقدر الواجب لأستاذها، أقصد بوبر، ونصائحه المتكررة لقرائه وطلابه. 

إنها مدينة بالاعتذار لرجل رحل وترك وراءه تراثا فكريا، لا يقل أهمية عما قدمته.. لكني استبعد في الوقت نفسه أن تعتذر، فالاعتذار ليس من شِيَم من يعتقدون أنهم "مُلاَّك الحقيقة المطلقة"، الذين يظنون أنهم دائمًا على صواب..
------------------------------------
بقلم: أشرف راضي


مقالات اخرى للكاتب

صباحيات | مراد وهبة.. استعادة ابن رشد ومشروع تأسيس العَلمَانية في مصر